أحمد زكي صفوت

89

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

فقال : ظئر « 1 » أمير المؤمنين بالباب ، في حالة تقلب شماتة الحاسد ، إلى شفقة أم الواحد ؛ فقال الرشيد : ويحك يا عبد الملك ! أو ساعية ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين حافية . قال : أدخلها يا عبد الملك ، فربّ كبد غذّتها ، وكربة فرّجتها ، وعورة سترتها ، فدخلت ، فلما نظر الرشيد إليها داخلة محتفية ، قام محتفيا حتى تلقّاها بين عمد المجلس وأكبّ على تقبيل رأسها ، ومواضع ثدييها ، ثم أجلسها معه ، فقالت : يا أمير المؤمنين أيعدو علينا الزمان ، ويجفونا خوفا لك الأعوان ، ويحردك « 2 » بنا البهتان ، وقد ربّيتك في حجري ، وأخذت برضاعك الأمان من عدوّى ودهري ؟ فقال لها : وما ذلك يا أم الرشيد ، قالت : ظئرك يحيى ، وأبوك بعد أبيك ، ولا أصفه بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين ، من نصيحته ، وإشفاقه عليه ، وتعرّضه للحتف في شأن موسى أخيه « 3 » ، قال لها : يا أم الرشيد ، أمر سبق ، وقضاء حمّ « 4 » ، وغضب من اللّه نفذ ، قالت : يا أمير المؤمنين « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 5 » » قال : صدقت فهذا مما لم يمحه اللّه ، فقالت : الغيب محجوب عن النبيين ، فكيف عنك يا أمير المؤمنين ؟ فأطرق الرشيد مليّا ، ثم قال :

--> ( 1 ) الظئر : العاطفة على ولد غيرها ، المرضعة له ، في الناس وغيرهم ، للذكر وللأنثى . ( 2 ) يغضبك . ( 3 ) قدمنا أن الهادي كان اعتزم خلع أخيه الرشيد من ولاية العهد ، واستخلاف ابنه جعفر ، وقد سعى إلى الهادي بيحيى بن خالد ، وأنه يفسد عليه أخاه الرشيد ، فحبسه وهم بقتله . ويروى أنه قال للهادى في خلع الرشيد لما كلمه فيه : « يا أمير المؤمنين ، إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان ، هانت عليهم أيمانهم ، وإن تركتهم على بيعة أخيك ، ثم بايعت لجعفر من بعده كان ذلك أوكد لبيعته » فقال : صدقت ونصحت ، ولي في هذا تدبير ، ولما أمر بحبسه رفع إليه يحيى رقعة : إن عندي نصيحة ، فدعا به ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أخلنى ، فأخلاه ، فقال : « يا أمير المؤمنين ، أرأيت إن كان الأمر - أسأل اللّه ألا نبلغه ، وأن يقدمنا قبله - أتظن أن الناس يسلمون الخلافة لجعفر ، وهو لم يبلغ الحلم ، ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم ؟ قال : واللّه ما أظن ذلك ، قال : يا أمير المؤمنين ، أفتأمن أن يسمو إليها أهلك ، وجلتهم مثل فلان وفلان ، ويطمع فيها غيرهم ، فتخرج من ولد أبيك ؟ فقال له : نبهتنى يا يحيى » وقال له : لو أن هذا الأمر لم يعقد لأخيك ؟ أما كان ينبغي أن تعقده له ؟ فكيف بأن تحله عنه ، وقد عقده المهدى له ؟ ولكن أرى أن تقر هذا الأمر يا أمير المؤمنين على حاله ، فإذا بلغ جعفر وبلغ اللّه به ، أتيته بالرشيد فخلع نفسه ، وكان أول من يبايعه ويعطيه صفقة يده ، قيل فقبل الهادي قوله ورأيه وأمر بإطلاقه . ( 4 ) حم : قدر . ( 5 ) أم الكتاب : أصله ، أو اللوح المحفوظ .